الاثنين، 21 مارس، 2011

الخروشة _ (66) _ أول مَرةْ





الخروشة _66_  أول مَرةْ
 

التاريخ السبت 19 مارس 2011
المكان:  مدرسة الاوقاف الثانوية بنات – شارع فوزى رماح – حى المهندسين – محافظة الجيزة
التوقيت الثانية عشر و النصف ظهراً
الحدث: الاستفتاء على التعديلات الدستورية بعد ثورة 25 يناير

لماذ أول مرة؟ لانها بالفعل أول مرة فى حياتى أذهب الى صندوق الاقتراع، و أول مرة أقف فى طابور يمتد مسافات طويلة، و أول مرة أتقبل عناء الوقوف أكثر من اربع ساعات و نصف فى طابور  طويل جدا..نعم سبق لى البقاء لساعات اطول فى ميدان التحرير فى ظروف اصعب بكثير  خصوصا فى ايام الجمعة الصعبة ابتداءاً من جمعة الغضب 28 يناير حتى جمعة النصر 18 فبراير..لكن أن يقف المرء فى طابور بطىء جداً لاكثر من اربع ساعات هذه تجربة جديدة و مرهقة ..لكنها تمت، والعجب العجاب ان هذه الساعات قضيتها فى حوارات مع المصريون الذين رافقونى وقفة الساعات منْ كانوا أمامى و منْ كانوا خلفى ... واستمتعنا جميعا بتداول الحوار  .. و معظمهم كانوا مثللى سوف يصوتون بــ لا  للتعديلات المطروحة للاستفتاء .. والعجيب أننا كنا نظن أننا اغلبية و سوف يكون التصويت برفض التعديلات و بنسبة اغلبية رهيبة نظراً لانها المرة الاولى فى مصر التى تكون طوابير المواطنيين بهذا الشكل الرهيب وايضا بدون وجود للشرطة او الجيش  إلا فردين فقط شاهدتهما، احدهما ينتمى للشرطة والاخر للجيش... المهم انهينا هذه المتعة المرهقة المؤلمة بكل سعادة،.. دخلت الطابور بعد صلاة الظهر بقليل ..... و خرجت منه قبل آذان المغرب بقليل ... كانت تجربة فريدة وبديعه و مرهقة و استثنايئة لىِ شخصياً... و فيما بعد تبين أنها استثنائية لمصر كلها .. فهى باختصار دون إخلال كانت استثنائية لانها حرة تماماً... مرهقة جداً ... فريدة جداً ... و كما قال لىّ أحد الحاضرين إنها المرة الاولى التى يشعر أنه مواطن صالح .. و ناخب مُحترَم و مُحترِم ... كانت أول مرة يشعر فيها الحاضر منا انه له قيمة فى هذا الوطن الشاسع .. و ايضاً مجرد إحساس الفرد منا أنه مهما كَبُرت مكانته و شخصيته و اهميته لكنه تساوى مع الجميع الان فى هذا الطابور  .. و هو ليس له إلا صوت واحد فقط مثل ملايين الحضور يومها ..فشعر كل شخص أنه مجرد صوت  مثل ملايين الاصوات المغردة بالحرية يومها.. فتوصلنا جميعاً أننا فى حضرةْ الاوطان بجلالها.. يتحول كل فرد الى مجرد رقم ... خادم .....  مطبع .....   متواضع .....   شغوق .....  فرح .. متباه ... مشاعر أُخرى كثيرة أجد صعوبة فى حصرها الان لضيق الوقت.

عندما رجعت للبيت دلفت بسرعة رهيبة الى شبكة الانترنيت و خصوصا شبكة الفيسبوك لاعرف ماذا يجرى فى مصر الان؟.. و ماهى الا دقائق و بدئت شبكة رصد Rassd الشهيرة.. تنشر ارقام فرز و فحص أولىِ و إبتدائى  لبعض الدوائر التى انتهى بها الاقتراع و كانت جميعها من الاقاليم البعيدة خارج القاهرة والاسكندرية و المدن الكبرى .. كانت الارقان أمامى عكس كل توقعاتى و توقعات كل شباب الثورة _ مدمنى الحضور فى ميدان التحرير كصاحب الخروشات _ و كذلك عكس توقعات و أمال كل من سمعتهم فى الشارع و فى طابور الادلاء بالصوت .. كانت الارقام تقول أن عدد الموافقين فى بعض القرى و المدن البعيدة تقول نعم للتعديلات  و بنسبة اغلبية اصابتنى بشلل فى تفكيرى لبعض الوقت ...
وبدئت أشعر بتوتر .. ثم قلق ... ثم صدمة ... ثم غضب .. ثم إحباط .. و قررت فى نهاية الليلة أن اتوقف عن كتابة تعليقات غاضبة و مؤلمة فى صفحات شبكة رصد الشهيرة والتى طالما غطت كل نشاط الثورة بمهارة و احترافية.. و لقد كتبت فى آخر تعليق لى فى صفحة الشبكة، كتبت  اتهام صريحة لادارة الشبكة بانهم أبواق لجماعة الاخوان... و ليسوا محايدين .. وللحق إكتشفت فى اليوم التالى أننى كنت مخطىْ جداً .. و هم كانو صادقين جداً فيما كانوا ينشروا من سبق إعلامى قبل الصحف و التلفاز... و للحقيقة لم يوقفوا عضويتى او يحذفوا تعليقاً واحداً مما كتبت من جملة تعليقات غاضبة و ساخرة وايضاً متجاوزة ... عطلت خيار وصول الاخبار من شبكة رصد و ذهبت للفراش مهموما مصدوماً.

اليوم التالى ذهب للعمل و قرأت صحف كثيرة و شاهدت مواقع متعددة وكانت كل الدلائل تشير إلى أن نتيجة الاقتراع ستكون كمان نشرت شبكة رصد .. تولد داخلى شعور سخيف أن الثورة سُرقت منا بواسطة القوى السياسية و الاصولية  المتطرفة ومعهم جماعة الاخوان .. شعرت انهم جميعاً سرقوا الثورة و اطاحو بنا .. الى رصيف الشارع السياسى و تخيلتهم يضحكون سخرية من جهلنا السياسى .. و بقيت ساعات طويلة أسير لهذه المشاعر و خلصت لنتائج سيئة جدا عن الحياة السياسية بعد الثورة لن تتغير.

فى المساء تعلمت درساً جديداً ممن يفهمون فى السياسة و التحليل و البحث العلمى .. بمجرد ظهور النتيجة الرسمية بصوت المستشار الوقور محمد عطية فى مقر مجلس الدولة .. و عرفت أننا نحن الرافضون للتعديلات كنا بالكاد لا نمثل الا 22% و اكثر قليلا من نسبة الحضور .. كانت هذه الصدمة الاولى

ثم عرفت ان كل هذه الحشود الرهيبة فى الشوارع من الثامنة صباحا و حتى التاسعة مساءا و حتى ساعات متاخرة اكثر فى بعض الدوائر .. كل هذه الحشود لم تمثل اكثر من 41% من الذين مسموحا لهم بالتصويت و هم 45 مليون مواطن .. بمعنى من ذهب الى القتراع قرابة 18 مليون مواطن و مواطنة من أصل 45 مليون يًحِقْ لهم التصويت .. من أصل 85 مليون مواطن و مواطنة يحملون الجنسية المصرية .. بما يعنى أن من كانو فى الشوارع للتصويت هم تقريبا 20% فقط من جموع الشعب .. وكانت هذه الصدمة الثانية

ثم كانت الصدمة الثالثة هى صدمة التعلم من الاخرين كيفية التحليل و البحث فى النتائج بشكل هادىء و منصف .. كنت ظننت أن جماعة الاخوان قد استغلت الموقف لصالحها و كانت نفعية التوجه ... نعم كانت لهم نشاطات  تخالف القانون نعم كانو يقومون بارهاب فكرى للغالبية البسيطة الجاهلة بشئون السياسة .. نعم استغلوا الدين بشكل سىء لتخويف الناس من وَهم المادة الثانية فى الدستور .. نعم كانو متواجدين فى معظم الدوائر بشكل ما للتأثير على اختيارات الناس ... نعم إستغلوا شريحة غبية و جاهلة و فقيرة بدعوى أن قولة نعم هى فرض عين و قولة لأ هى سماح للعلمانيين الكفرة بوضع دستور جديد .. وقولة لأ هى سماح للاقباط بتغير المادة 2  وتولى احدهم رئاسة البلاد ..الى هذه الحد كانت الضغوط المشينة من الاخوان و السلفيين و الاصوليين على شرائح كبيرة من مجتمعات القرى والنجوع و الريف .. وهم كما قلت شرائح فقيرة مادية .. و جاهلة سياسية ... و غبية تفكيرياً ... و هضيمة الحقوق  من سنيين طوال و كسيرة الجناح حتى نهاية حياتها... .. لكن كل هذا لم يكن السبب فى ان تكون النتيجة اكثر من77% من الناخبين قالوا نعم لهذا التعديلات و بالتالى حرموا الثورة من حقها فى دستور جديد ..على الاقل حرموها لعدة شهور مقبلة .. لكن بعد عدة شهور و بعد انتخاب البرلمان بمجلسيه .. سيختار هذا البرلمان جمعية تأسيسية من 100 شخص من اعضاء البرلمان لوضع دستور جديد ... المؤكد أن البرلمان القادم لن تكون فيه اغلبية لممثللى الثورة بل اشك أن شباب الثورة جاهز حتى لخوض معركة قريبة ... تمرس الاخرين لها سنوات طوال فى الحياة السياسية و سوف يتقاسمون التورتة لاحقاً فيما بينهم بينما نحن جاهلون سياسيا... و لم نكن مهرة إلا فى فطرة صدق المشاعر عند نشوب الثورة .. فكانت هذه هى الصدمة الثالثة


بعد قراءة نتائج الاقتراع و بعد الاستماع و الانصات للخبراء الهادئين  و المختصين فى البحث السياسى وهم ثاقبوا النظر فى التحليل ... بعد كل هذا توصلت الى اسباب كثيرة أدت الى هذه النتيجة المحبطة للثورة .. وكانت هذه هى الصدمة الرابعة

الغريب بمجرد ظهور النتيجة قبلنا بها فوراً .. و رضينا بنفس قانعة ان هذه هى الديموقراطية .. أن تكون لديك القدرة بقبول فوز الراى الاخر.. ولأن هذا جديد على عقولنا ... فقد كان رضانا بالنتيجة صدمة لافكار و ممارسات قديمة جرت علينا وعلى عقولنا و إرادتنا .. و لذلك اعتبرت هذه هى الصدمة الخامسة

الاسباب التى أدت لهذه النتجة هى :
رغبة الاغلبية فى الشعور بالاستقرار الاجتماعى و الاقتصادى و المعيشى .. الذى تأثر طبعا باحداث الثورة .. الاستقرار

الحيرة الشديدة لدى قطاع من الشعب  بين الاختيار  بين  نعم او لا .. هذا إذا افلتوا من مصيدة التخويف و الارهاب الفكرى .. فوجدوا انفسهم فى حيرة الاختيار ...فلم يتسنوا لهم قراءة المواد الثمانية المعدلة و بالتالى بقوا حتى اللحظة الاخيرة لم يصلوا لقناعة كاملة بنعم أو لأ .. فكانت الحيرة

التعود ....... قطاع أخر تعود على كلمة نعم و لم بتعود بعد على قولة لأ بكل مخاطرها ... فإختاروا نعم .. بحكم  التعود

التبعية ... سوف يلاحظ الجميع أن أقل المحافظات التى قالت نعم هى الجيزة و القاهرة و الاسكندرية والبحيرة و 6 اكتوبر بنسب ما بين 60 الى65%  من اصوات الناخبين.. و هى محافظات حضرية حضارية .. بها غالبية المثقفين  و أصحاب الراى و المعارضة الليبرالية .... بينما كانت المحافظات البعيدة التى اختارت نعم بنسب تصل إالى أكثر من 90% من اصوات الناخبين، فكانت هذه الغالبية تفتقد الى قوى التنوير السياسى و الفكرى فإختارت إيثار السلامة و سماع كلام الجماعات الاسلامية و الاصوليين المتعصبيين و السلفيين المتشددين ..و كذلك ساهم فى ذلك تصرف رجال الدين المسيحى فى توجيه اغلبية الاقباط الى التصويت بــ لأ .. فكان تصرفتهم ايضا مستفزة للاخرين و بعيدة عن التصويت الصحيح الذى كان يقتضى التزاما واضحا بقراءة المواد المعدلة و التصويت بحكم هذا المواد فقط.... . فكانت التبعية لرجال الكنسية تحرك الاقباط هى تبعية تماثل من إختاروا الامتثال للارهاب الفكرى الصادر من الاخوان و الاصوليين و السلفيين  ... و طبعا سواء الكنسية او القوى الدينية .. لم تجروأ على طلب التبعية من شرائح مثقفة مطّلعة لها وعى سياسى و رؤية مستقلة .. فوقعت الشرائح الفقيرة الجاهلة المغلوبة على امرها تحت سياط ... التبعية

فقدان الاستقرار الاجتماعى و الاقتصادى والمعيشى .... الحيرة فى الاختيار نظرا لجهل البعض بالمواد المعدلة .... التعود على الطاعة و عدم جلب المخاطر بقول لأ للتعدلات ...الحيرة فى الاختيار نتيجة عدم الرغبة فى القراءة والتعلم والاطلاع ... ثم التبعية السياسية و الفكرية و الاخطر التبعية الدينية إجبارا أو اختياراً .. هذه هى الاسباب التى توصلت اليها و الفضل يعود لمن استمتعت اليهم من رجال التحليل السياسى و البحث العلمى و بكل حيادهم و هدوئهم .. فتعلمت درساً جديداً

و كانت هذه المرة الاولى ... التى أمُر بها بكل هذه الاحداث رغم أننى كنت مررت بكل احداث الثورة فعلياً و واقعياً فى ميدان التحرير .. لكن الشأن السياسى له عالم و عوالم مختلفة تمام عن النزق الثورى لمن حضروا و عايشوا احداث الثورة

و عندما حلّلت تصرفاتى شخصياً و كنت صريحاً مع نفسى.إكتشفت أنه أنا ايضا عندما قلت لأ للتعديلات لم تكن قولة لأ وليدة قناعتى فقط بما قرئت بتمعن المواد و التعديلات عليها .. بل للامانة إخترت ان أقول لأ  .. نكاية فى الجماعات الدينية المتشددة او المتطرفة.. و كذلك نفوراً من أى شخص يحاول أن يحتل عقلى حتى لو كان تحت مسمى دينىّ .. صدمنى جداً أننى اكتشفت هذا .. فأعطيت كل الاعذار لكل من إختاروا أن يقولوا ........  نعم ... لاننى قلت لأ نكاية من البعض و نفوراً من البعض الاخر .. وليس قناعة بتعديلات مواد الدستور.. مع أننى قرئتها وفهمتها جيداًً

تعلمت أن الليبرالية التى انتمى اليها تُحتِم علىَ من إختارها ... أن يتقبل الرأى الاخر .. حتى لو كان وليد تبعية و ارهاب فكرى و جهل و فقر .. لابد لابد من إحترام هذا... حتى لا اُناقض نفسى على الاقل ... فكانت هذه من المرات القليلة التى أقول لنفسى لأ  بدون خجل او مكابرة .. لذا سميت الخروشة ........... أول مَرةْ


تحياتى .. ونلتقى فى خروشة جديدة  بأذن الله
عمــــر المصـــــــرى












إجمالي مرات مشاهدة الصفحة